سرديَّةُ شغفٍ مؤجَّل




ما يقربُ من العامين غبت فيهما عن هذه المدونة.. مساحتي الشخصية التي لا يعرف ولن يعرف عنها أحد، وكنتُ غارقًا في اللحاق بهوسٍ جديدٍ صاحبني فترةً طويلة من حياتي لكني أخيرًا وجدتُ سبيلًا إليه. هوس الذكاء الاصطناعي.
في عام 2000 كنتُ مراهقًا لم يبلغ عامه السابع عشر بعد، وقد التحق لتوه بالجامعة، وقضى أيامه الأولى يهربُ من البيتِ ليلاحق هوسًا -كان محرَّمًا آنذاك- هو السينما.. فكنُت أنهي محاضراتي وأهرولُ إلى القاعة الواسعة المظلمة التي تسطعُ فيها لمحات من عالمٍ خياليّ لم يتواجد إلا في خيالات المهووسين المفارقين للواقع الغارقين في الأحلام. فتسطع الومضاتُ كسيوفٍ تقطعُ عباءة الواقع البغيض فتكشفُ العالم الرحب للخيال وراءها ممتدًا حتى وراء الأفق.
كنتُ مراهقًا آنذاك، وبدلًا من أن أهرولُ وراء الفتياتِ أو أذعنُ لزملائي كي أرافقهم في جلسة حشيش، كنتُ أسعى وراء المستقبل وكل ما يخبئه لنا.. وعلى قلة أفلام الخيال العلمي التي كانت نوعي المفضل إلا أنني كنتُ أقضي مع الفيلم وقتًا يتجاوز مدَّة عرضِه، فأبحثُ عن موضوعاتِه وأتعلم منها، واستكشف الأفكار التي يتكلم عنها.

أيام الانترنت الأولى

كان الانترنت دخل لتوِّه إلى البلاد، وكافيهات الانترنت بدأت تنتشر على استحياء، لكن احد الكافيهات القريب من الجامعة كان مكاني المفضل بعد السينما.. أبحثُ أو أقرأ عن احتمالات المستقبل اللانهائية المتوقعة وما يتم اكتشافه من علوم كُنَّا نحسبها خيالًا فصارت حقيقة.. كنت اهتم بالفيزياء النظرية.. تجارب الانتقال الآني والسفر عبر الزمن، مفهوم الزمن وتطبيقات نظريات اينشتين المختلفة.. لكن هوسي الأكبر كان عن الذكاء الاصطناعي.
كان أكثر الأمورِ خيالًا بالنسبةِ لي هو أن يتكلم الإنسان مع قطعةٍ من المعدن فتردُّ عليه.
هذا كان خُبالًا لا ريب.. لكن العلم يؤكد أن هذا ممكن !!
كان السفر عبر الزمن أكثر واقعية من الحديث مع المعادن، لكني كُلما عرفتُ -آنذاك - عن الأمر كلما بدا لي مُدهشًا..
ومعلوماتي في هذا لم تأتي من المجلات العلمية ولا الكتب الرصينة التي كانت تحوِّل الأمر إلى تقنيةٍ بغيضةٍ ضيقة الأفقِ تقتل الخيال، بل جمَّعتُ كل ما أعرفه عن الذكاء الاصطناعي من روايات إسحق أزيموف وأرثر كلارك، وقصص نهاد شريف وحوارات مُصطفى محمود.

في انتظار ما لا يأتي


لهذا حين وجدتُ إعلان فيلم (ذكاء اصطناعي) في إحدى المرات في السينما، وقف شعر رأسي من الحماسة. الإعلان كان غامضًا مثيرًا، ويحمل اسمين كانا يتوافانِ كثيرًا مع حماس الصبيةِ الذي كنتُ أعيشه، ويحملان ختم الجودةِ كذلك: ستيفين سبيلبيرج وإسحق أزيموف.

رحتُ أتابعُ جدول السينمات بشغفٍ في انتظار عرض الفيلم، وانطلقت خيالاتي جامحة.. قرأتُ كثيرًا لأزيموف، لكني لم أعرف أي رواية له سيتناولها الفيلم، ربما رواية لم أقرأها من قبل.

لكن الفيلم لم يُعرض في السينما..

سألتُ في شباك التذاكر لكن لم ألق تفسيرًا.. ومرَّ الوقت.. وازداد ضيقي وحزني من عدم عرض الفيلم..

كُنا في بدايات الألفية ولم تكن قرصنة الأفلام في أوجها كما سيحدث بعد سنوات.. فترك الموضوع أثرًا مزعجًا في نفسي.. وتسبب في ازدياد اهتمامي بالذكاء الاصطناعي.. فرحتُ أتابع الأخبار.. ومن وقتٍ لآخر كان تخرج ادعاءات باختراعاتٍ علمية جديدة في الذكاء الاصطناعي فأهرولُ بشغفٍ لأتابعها قبل أن يصيبني الاحباط.

ما بين الإنسان والآلة

كان تصورى عن الذكاء الاصطناعي هو قدرته على التفكير.. على النقاش.. على أن تخبره بشيءٍ فيجيب سؤالك دون أن يكون مُبرمجًا على بنك أسئلةٍ وإجاباتٍ هائل وتنحصر مهمته في البحث في بنك الأسئلة المعد مسبقًا واحضار الإجابة الموجودة مسبقًا إليك.
كان ظني ان هناك فارق كبير بين الآلة والتفكير.. الآلة ميكانيكية تبرمجها على وظائف مُحددة لا تستطيع أن تفعل شيء خارجها.. أم التفكير/ الذكاء فهو يعني الاتيان بجديد.. أن تفعل شيء لست مُبرمجًا عليه.. لهذا توالت إحباطاتي مع كل خبرٍ جديد عن فتحٍ في الذكاءا لاصطناعي.. وطوال سنواتٍ كثيرة تكوَّنت قناعتي أن هذا الأمر لن يحدث أبدًا؛ على الأقل في حياتي، وأنه لو حدث فربما بعد مئة عامٍ أو مئتين، وI will not be arount then .



العودة إلى شغفٍ قديم

بعد انتهائي من دراسة ماجستير الادب المقارن عام 2017 شعرتُ انني استعدتُ جزءًا من نفسي.. أحببتُ دومًا الفكر والأدب والفلسفة، وقد اغرقتني دراستي في هذه العالم وراحت تشبعُ قدرًا من هذا الشغف. لهذا رحتُ أطاردُ أحلامي القديمة، وفكَّرتُ في أن أعاودُ شغفي القديم بدراسة الرياضيات التي أبعدني عنها البحث المستمر عن لقمة العيش.
أحضرتُ كتب الإحصار واشتريتُ كتب الـcalculus ثُمَّ أبعدتني مشاغل الحياةِ مُجددًا عن المواصلة. مشاكل عمل، خلافات زوجية، طلاق، ثمَّ هجم على العالم وباءٌ جهنَّمي لم نسمع عن شيء مثله من قبل إلا في الأفلام.
لهذا انزويتُ وحيدًا في ركنٍٍ بعيد وأخرجتُ كتب الرياضيات، وأحضرتُ جهازيَّ المحمول، ورحتُ أقتلُ الوقت في تذكر هذه المتعة العقلية التي تصيبني في الدراسة.
ثُمَّ فجاة، وجدتني قررتُ أن أتعلم البرمجة.. العالم مغلق على أمراضهِ، وأخبارُ الموتِ تأتينا من كل مكانٍ، والعمل عن بُعدٍ منحني مساحة من الفراغِ ومراجعة النفسِ لم تحدث من قبل.
أخذتُ كورسين او ثلاثة، وضحكتُ في سري وانا اتذكرُ الفتى المراهق الذي روحتُ أشبعُ له شغفه متأخرًا جدًا.
انفتح العالمُ من جديد وانتهى الوباءُ، وخرجتُ إلى العالم مع رفقةٍ جديدة تُدغدغ القلب وقد استعدتُ جزءً مما فقدته في تبدِّل الأيام.


جُذوةٌ تحت الرماد

في أوائل عام 2023 كنت شارفتُ الأربعين، ذهبت حماسة الصبيَّ وخيال الفتي الفائر، واستقرَّ بداخلي هدوءٌ ممزوجٌ بالإحباطِ من بؤس العالم الذي أعيشُ فيه. تركتُ متابعة اخبار الذكاء الاصطناعي منذ زمنٍ، وملتُ إلى الخيال الممزوج بقدرٍ من الواقعية.. شاهدتُ فيلم (ذكاء اطناعي) بعدها بسنواتٍ، ربما 2015 إن لم تخني الذاكرة، ولم احب الفيلم، وجدتُ فلسفيًا أكثر من اللازم ينقصه الخيال، ويقدم مأساةً غير منطقية في رأيي، كان يُخاطبُ عقلي ولم يخاطب خيالي وهوسي..

درستُ الأدب المقارن، إلى جانب دراستي وعملي في المالية. كنتُ أُشبعُ شغفًا قديمًا بالغرقِ في عوالم لخيالِ بكتابة الروايات بعد ان قضيتُ عمرًا أكتب الشعر.. نشرتُ روايات قصيرة (نوفيلات) مع مجموعة من الأصدقاء، ثم نشرتُ ثلاثة روايات: القناص al-Qannas والعودة من الجنوب Alawda mn al-Ganoub و حلم إفنزا Hulm Evenza وكان بدرج مكتبي مجموعة أخرى من الروايات التي لم أنته منها بعد.. مِلتُ إلى الفلسفة بعض الشيء وأحببتُ دراسة التاريخ، وابتعدتُ عن الرياضيات (شغفي الأول) وانحصر عملي فيها على وظيفتي وما تحتاج من فهمٍ رياضي ومنطقي.

في أوائل عام 2023 كنتُ شارفتُ الاربعين، وقد وصلني خبر -ضمن الأخبار المتعددة، أن احدى الشركات قدمت فتحًا جديدًا في الذكاءا لاصطناعي، فابتسمتُ في سخرية.

كان الأمرُ على بُعد ضغطة زرٍ على هاتفي المحمول لأعرف الحقيقة لكنني لم أبحث. كنتُ على قناعةٍ تامة أن الامر لا يختلف عن عشرات الأخبار السابقة عن الخطوات الضعيفة المضحكة التي يسمونها زورًا وبهتانًا؛ ذكاءً اصطناعي.

قضيتُ ثلاثة شهور تقريبًا في حالة إنكار للأخبار والترندات على السوشيال ميديا وحكاوي الأصدقاء مقتنعًا تمام الاقتناع أن الامر مجرد هوجةٍ أخرى أو تريند آخر سيأخذ وقته ويمر.. ربما لم أكن أرغبُ في أن أصبغ حُلمًا قديمًا بكابة وإحباط الواقع وادعاءاته المزيفة. كنتُ قد بدأتُ في مُصالحة نفسي، ولم أشأ أن أرهقها بإحباطِ لا داعي له. لكن حين استمر الأمر زفرتُ في ضيقٍ وقررتُ أن اجرِّب. وضغطُت الزر في هاتفي المحمول لتتسع عيناي في ذهول.

هل حدث الامر حقًا ؟

صندوق صغير للدردشةٍ كان قادرًا على إثارة زوبعةً كاملة في نفسي.

صندوق صغير للدردشةِ أعادني مُراهقًا صغيرًا يقفُ على أبوب السينما، ويحملُ الروايات في المواصلات في حرصٍ كأفيونٍ، ويعدُ نفسه بأمسيةٍ هانئةٍ بعيدًا في عالمِ الخيالِ حيث يسافر كل ليلة.

صندوق صغير للدردشةِ كان قادرًا على أسري وإعادتي إلى نفسي بعد كل احباطات العالم.


الغرق في المتاهة

كان الاكتشافُ مذهلًا، وبعد تجربة الأداة آلاف المرات نبت في نفسي الشغف أن اعرف كيف تعمل من الداخل!

وبدأتُ مرحلة جديدة من القراءة والمتابعة والفهم، الأخبار والمعلومات overwelming وهائلة، تابعتُ التعلم وعدتُ إلى دراسة البرمجة التي بدأتُ فيها قبل أعوامٍ قليلة، وأكملتُ تعلم الرياضيات التي صارت ضرورةً الآن لفهم ما يحدث. كان الأمر يُغرقني فعلا، والإلمام بكل شيءٍ كان مستحيلًا بدون دراسة نظامية مرتبة. لهذا بدأتُ رحلة جديدة لدراسة الماجستير في الذكاء الاصطناعي، ومن أول عدَّة شهورٍ شعرتُ بالقفزة المعرفية والتطبيقية التي لم اتصورها.

غرقتُ في الأبحاث والمشاريع والتطبيقات المختلفة. وكنتُ أشعرُ أنَّ ثمَّة شيء ما خاطئ.. ثمَّة افتراضاتٍ خاطئة يقومون بها.. فهمٌ سطحي عمَّا تعنية الآلة حتى لو كانت ذكية، وبين ما يعنيه الإنسان.

تداخلت الرؤى لديَّ بين دراسة الفلسفة والأدب والرياضيات لتصنع تصوُّرًا ضخمًا عما يعنيه ذكاء الآلة، ورحتُ أفكر في الفرق بين هذه الرؤية وما يحدث فعلا في واقع الامر.

ربما فهمي للغة، وقدرتي على التحليل الفلسفيَّ، ومهارتي في التعامل مع الأرقام والنظريات الرياضية، وهوسي بالأدب والخيال، كل هذا جعلني أشعرُ الأمور مختلطة، والمعايير متضاربة. وأنَّ: ليس هكذا تورد الإبل.




مُجازفةٌ غير محسوبة

هنا قررتُ أن أجازف وأتخذ خطوة جديدة، فقدمتُ أحد أبحاثي في الذكاء الاصطناعي إلى مؤتمرٍ في اليابان، وجلستُ منتظرًا رفضًا بالطبع، لكنني في الحقيقة كنتُ أنتظرُ رأيًا آخر حول ما أفكرُ فيه، ونقدًا لتصوري عمَّا يجب أن يكون عليه الأمر.

لكن الواقع أتى بمفاجئاتٍ أخرى للكهل الأربعيني الذي يحاول ان يحقق أحلام الفتي المراهق متأخرًا جدًا.

لقد قُبل البحث.

وسافرتُ إلى كيتاكيوشو لأعرضه وأناقش إحدى أفكاري حول الافتراضات الخاطئة التي يصنعها مجتمع الذكاء الاصطناعي.

ثمَّ ألحقتُ بهذا البحثِ بحثًا آخر قُبل في إسبانيا، وثالثٌ قُبل في أمريكا..

كنتُ كأنني اكتشف عالمًا جديدًا.. وأحملُ في داخلي رؤيةً أخبؤها عن العالمِ، وشعورٌ داخليّ عميق بأنهم يقومون بالأمر بالطريقة الخاطئة.

وأنَّ دخولي معهم في هذه النقاشات الطويلة هو أمرٌ يبعثُ على البهجةِ ويحضُ على المزيد من الانخراط، كمدمنٍ لا يعرف كيف يتوقف عن أدمانه

ربما كانت هذه هي القصة الوحيدة الخالية من الإحباط في حياتي، وربما كانت ما صنعته خيالات الفتى المراهقُ وهو يهرولُ من سينما إلى أخرى تحت المطر، ويخبئ الروايات ليهرب داخلها بعيدًا.

وربما كان على الأبعينيِّ أن يلاحق احلام الفتى ويهرول وراءه، علَّه يجد نفسه أخيرًا بعد ان تاه عنها طويلًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ظِلُّ العيون المُنهكة

Bridging One’s Self